فخر الدين الرازي

378

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فيه مسائل : المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه : الأول : أن المنافقين أرجفوا أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم قد قتل ، فاللّه تعالى يقول : إنه لا تموت نفس إلا بإذن اللّه وقضائه وقدره ، / فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر المعين ، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه ، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه ، والمقصود منه إبطال قول المنافقين لضعفة المسلمين أنه لما قتل محمد فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان . الثاني : أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر ، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء ، فلا فائدة في الجبن والخوف . والثالث : أن يكون المراد حفظ اللّه للرسول صلى اللّه عليه وسلم وتخليصه من تلك المعركة المخوفة ، فإن تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها ، ولكن لما كان اللّه تعالى حافظاً وناصراً ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه . والرابع : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه ، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى اللّه عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر ، بل يبقيه اللّه إلى أن يظهر على الدين كله . الخامس : أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون ، فإن الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فأخبر اللّه تعالى أن الموت والقتل كلاهما لا يكونان إلا بإذن اللّه وحضور الأجل واللّه أعلم بالصواب . المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير الإذن على أقوال : الأول : أن يكون الإذن هو الأمر وهو قول أبي مسلم ، والمعنى أن اللّه تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر . الثاني : أن المراد من هذا الإذن ما هو المراد بقوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] والمراد من هذا الأمر إنما هو التكوين والتخليق والإيجاد ، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد إلا اللّه تعالى ، فإذن المراد : أن نفساً لن تموت إلا بما أماتها اللّه تعالى . الثالث : أن يكون الإذن هو التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار ، وبه فسر قوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى : ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه بتخلي اللّه بين القاتل والمقتول ، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به ، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي إلى الأجل الذي كتبه اللّه له ، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمداً قد قتل . الرابع : أن يكون الإذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم اللّه موتها فيه ، وإذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * [ النحل : 61 ] الخامس : قال ابن عباس : الإذن هو قضاء اللّه وقدره ، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وإرادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل ، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن اللّه . المسألة الثالثة : قال الأخفش والزجاج : اللام في وَما كانَ لِنَفْسٍ معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا بإذن اللّه . المسألة الرابعة : دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله ، وأن تغيير الآجال ممتنع . وقوله تعالى : كِتاباً مُؤَجَّلًا فيه مسائل :